النشرة الإخبارية العدد رقم 6 - 27/3/2010
مقدمة
بقلم جيتا حزاني, مديرة موزايكا
عزيزي القارئ
كم هو رمزي أن يتزامن مشروع القيادات الدينية ولادةً وانطلاقةً مع بداية شهر "نيسان" وعشية عيد الفصح لدى أبناء الشعب اليهودي لأنّ الخروج من مصر لا يقتصر بالنسبة لنا على كونه رواية تاريخية بل ينطوي على مدلولات نفسية عميقة تخص السؤال حول الانتقال من العبودية إلى الحرية، بحيث يصبح لهذين المجازين مغزى شخصي لدى كل واحد منا ومغزى جماعي لدى الشعب ككل, فالانتقال من حالة العبودية مهما كانت إلى حالة الحرية لا بد أن ينطوي على التحوّل والتغيير، ولكنّنا غالبًا ما نخشى التغيير ونتحفظ عليه ناهيك عن المبادرة إليه ومع ذلك ننخرط في عمليات ومراحل تغيير سواء على مستوى المجموعة أو الفرد وبالرغم من الصعاب التي تنطوي عليها إلاّ أنها تفسح فرصة النمو والتنامي.
يصبو مشروع القيادات الدينية إلى إحداث تغيير في العلاقات بين المسلمين واليهود في إسرائيل والتخفيف من حدّة التوتر بين المجتمعين وتغيير طبيعة الحوار بينهما وداخل كل منهما فيما يتعلّق بكيفية المعاملة والتعامل مع "الآخر".
يهدف المشروع إلى قيادة صوت ديني متسامح إزاء قضايا مشحونة وجوهرية في الصراع بين الشعبين إذ يبرز المشروع صوت القيادات الدينية الكبرى لدى الجماهير الإسلامية واليهودية في إسرائيل ليكون حاضرًا بشكل ملموس على مسرح الحوار العام ويؤثّر في تهدئة التوتر بين الطرفين.
قرّر بعض القيادات الدينية من الشيوخ والحاخامات أصحاب الهيبة التوراتية والعامّة قبول هذا التحدّي الفكري والعملي على السواء والمتمثل بالانخراط في المشروع وقيادة التغيير، وفي يوم الثلاثاء الموافق 23 ربيع الأوّل 1431 التاسع من آذار 2010 أقيمت مراسم الافتتاح وإطلاق المشروع وسط أجواء مؤثرة جدّا وبحضور الحاخام الأكبر لإسرائيل "شلومو عمار" وترحيب الشيخ عبدالله نمر درويش مؤسّس الحركة الإسلامية الذي تعذّرت عليه المشاركة بسبب وعكة صحية والحاخام "ميخائيل ملكيور" مؤسّس مركز "موزايكا".
يتكون المشروع من مرحلتين مع تركيز القيادات الدينية في البداية على بناء الثقة بين الأعضاء المشاركين ثم تتحرّك المجموعة لإسماع صوتها ومواقفها حول شؤون الساعة من القضايا والملفات الدينية التي تعدّ مكامن توتر بين المجتمعات الإسلامية واليهودية في إسرائيل.
تجدون في هذه النشرة ملخصاً للكلمات الإفتتاحية التي ألقاها خلال هذه المراسم كل من حضرة الحاخام الأكبر لإسرائيل "شلومو عمار" , سماحة الشيخ الدكتور أحمد الأسدي رئيس الحركة الإسلامية في الجليل بالنيابة عن الشيخ عبدالله نمر درويش و الحاخام "ميخائيل ملكيور" مؤسّس مركز "موزايكا".
نتمنّى لشركائنا المسلمين النجاح في كل من الرحلتين الشخصية والمشتركة
وعيدًا سعيدًا للأعضاء اليهود.
تقبّلوا فائق الاحترام والتقدير ،
جيتا حزاني
المديرة العامة.
"الحضور الأفاضل، تحية عطرة وبعد
لا يسعني سوى الإشادة بهذه المبادرة للحاخام ملكيور وهو ليس حديثًا على درب تأليف القلوب بل يسعى للعمل وتحقيق الإنجازات على هذا الدرب، ومن معرفتي به وبمفاهيمه الحياتية ومن خلال اهتماماتنا المشتركة أقول إنّه الإنسان المناسب في المكان المناسب لأن نظرته تلائم هذه الطريقة وهذا الخط، وإنني على علم بأن الشيخ درويش هو الآخر لا يتحلّى فقط برغبة التغيير وتصحيح النظرة وإنّما بشجاعة التعبيرعما لديه حول موضوع لا يلقى موافقة واسعة.
عندما يلتقي الشيوخ ورجالات الدين من مختلف الأديان علينا أن نقول ونفكّر ليس ما يريد الجميع سماعه بل يجب على القائد أن يتفوه ويتحدّث بجسارة ويناضل في سبيل ما ينادي به، والقائد الديني عليه أن يقود أفراد رعيته ويكون معلمًّا ومرشدًا لهم ويوجّههم على الطريق. كما قال موسى كليم الله وهو يصلّي مبتهلاً إلى الله عز وجل أن يوكل على الجماعة رجلاً (يخرج أمامهم ويدخل أمامهم) ويخرجهم ويدخلهم لكي لا يكونوا كالغنم التي لا راعي لها، والراعي يهتم فعلاً بغنمه تغذية وإسقاء ورعاية إلاّ أنّه لا يفعل ذلك حبًّا في الغنم بل خدمة لمصلحته ورفاهيته. أمّا الراعي الحقيقي بل والقائد الحقيقي عليه الاهتمام بأبناء البشر خدمة لمصلحتهم.
يتمثل اهتمام القائد والأب برعيته بقيادتهم على الطريق الصحيح وفي هذه الأيام يغيب الحقّ والحقّ ثقل قَلَّ حَمَلتُه كما قال أحد الحكماء القدامى ونحن في عصرنا علينا السعي للحق وإن كان لا يروق لنا بل التربية والإرشاد على انتهاج الطريق الصحيح. هذا ونرى أيضًا ظواهر وممارسات ملتبسة بالدين من أجل شرعنتها ولكن الخطأ والشرّ لا يمكن أن يستبدل الحقّ ومن هنا يتطلب الموقف الجرأة والجسارة والبسالة لكي يكون قائدًا حقيقيًا وإن كان أبناء ملته يلاحقونه بسبب جرأته إذ أن الكثيرين من القادة كانوا يعتبرون ضالين بيد أن الأجيال المتلاحقة أقرّت وأيقنت الحقيقة التي ينادون بها وإن طال الزمن. حتى الحاخام موسى ابن ميمون لاقى معارضة شديدة وبعد سنين ذاعت شهرته وعليه يجب على القائد ألاّ يخشى التنكيل والاضطهاد.
أختتم كلمتي مبتهلاً إلى العلي القدير أن يهبنا الحكمة والرشاد ويهدينا إلى سواء السبيل من غيره ويعطينا الشجاعة والجسارة لنتيقّن من صواب الأمور ثم القيام به ونحقّق أعظم الغايات ألا وهي زيادة المحبّة والمودة والسلام."
رئيس الحركة الإسلامية في الجليل
"أستفتح بكلمة سماحة الشيخ عبدالله نمر درويش –
أرحب بهذا المحفل الهام الذي يسعى المشاركون فيه إلى إحداث التغيير والتصدّي لحماقة العقل والفكرة القائلة بعدم تغيير شيء لأنّ الله خلقنا وأغدق علينا النعم ووهبنا القدرة على العمل والإنتاج حيث نصغي دائمًا إلى فرائض الله عز وجل لأنّه المنبع الذي نرتوي منه ونعود إليه في العسر واليسر.
باسمه جل جلاله نقود أفراد رعيتنا لأنّ القتل لم يرتكب يومًا باسم الله، أشكر الحضور الكرام على هذا الاجتماع متمنّيًا أن يعود بالخير والنفع على الجميع.
إلى هنا كلمة سماحة الشيخ عبدالله نمر درويش الذي تعذّرت عليه المشاركة.
أمّا بالنسبة لكلمتي أقول إن اجتماعات كهذه أشبه بالإنسان الذي يواجه البحر الكبير ولا يعلم كيف ومن أين يستقي الماء.. من الصعب مواجهة ظواهر مثل الشمس الساطعة وطاقتها المستخدمة للأهداف السلبية بدلاً من الأهداف الإيجابية مثل المساعدة في نمو النبات عن طريق عملية التمثيل الضوئي، والمؤمن الصادق هو المؤمن بأن الذي يواجه خلق الله وخليقته يفعل الصواب، مثل براءات الاختراع التي يبتكرها الإنسان وتعود بالخير والنفع على غيره وفي حالنا أيضًا ما نحسن إليه وفيه يعود بالخير والنفع إلى غيرنا من الجمهور، لقد رفع الله سبحانه وتعالى شأننا لكي نحسن إلى غيرنا وقد ورد في القرآن الكريم أن من قتل نفسًا بغير نفس فكأنّما قتل النّاس جميعًا ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعًا، فلا أحد يوافق على أن القتل باسم الدين يقبله الدين وهذه هي البوصلة التي نسترشد بها.
أحيانًا نختلف ولكنّنا نختلف على هذه الأرض الطاهرة ونبقى أصدقاء وما أحوجنا إلى أبطال كهؤلاء كلاً في مضماره وفي حقله لأن المشكلة التي نواجهها تتمثل بتدهور الأخلاق إلى أدنى المستويات كما وأن الإنسان نسي كيف يجلس ويتحاور مع أخيه الإنسان. إذن، كيف نتحاور وكيف نجادل؟ بالتي هي أحسن وبالبراهين وباختيار الكلام المعتدل لما يحمله من خيرات ولن أرفع صوتي عندما يحقّق الهدوء هدفي ونحن هنا لنتكافل بعضنا البعض.
إنّنا نؤمن بالتوحيد والأسوأ هو تشويهُ الطريق وكلّما تعمّقنا في كتاب الله المفتوح أي العالم وكتابه السري أي القرآن الكريم والتوراة كلّما أدركتا قلّة معرفتنا وعلمنا.
نؤمن ليس بتفضيل الله عز وجل الواحد عن الآخر وإنما بالعدل فالحقيقة المطلقة تعود إلى البارئ جل جلاله أما نحن فلا نسعى إلا وراء الترقي والتسامي إلى أعلى مستويات الكمال فيما تسمح به قدرتنا، ومن خلال تنمية مستوانا الروحاني وعبر التعاون لا بد أن نستطيع خدمة الأجيال القادمة ومواجهة أعمال القتل وسفك الدماء المنطلقة من عدو الديانات المتجلي بالجهل والتطرّف، ولكن المؤمن بالله عليه أن يفتح قلبه أمام نور الله فالقلب لا يمكن أن يمتلئ بالكراهية والعداء إذا كان ممتلئًا بنور الله.
كما أن المجال مفتوح دائمًا أمام الحوار والنقاش وهو لمصدر اعتزاز أن يكون الحضور الكرام في هذا المحفل شركاءنا لنرتقي معًا إلى مستوى الحوار والنقاش، صحيح أنّنا قد نختلف ولكن نحاول التمسّك بمستوى التطلّع نحو الكمال، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ التفكير والتأمّل يعدّ فريضة من الفرائض حتى قبل خوض النقاش.
يشبه الناس الرعية ومن هنا الدعوة موجّهة إلى جميع من يتولى هذه المهمة أن يقود ويؤكّد ضرورة إظهار الأمور وطرحها بصورة واسعة ومعمّقة بعيدًا عن السطحية."
نقرأ في سلسلة من الروايات التوراتية الأسبوعية عن قضايا بناء "المِشكان" (المسكن) من أجل بني إسرائيل الذين خرجوا لتو من أرض مصر حيث يأمرهم الله عز وجل بوجوب الحضور الإلاهي بين ظهرانيهم وذلك عبر "المشكان". ومن اشتقاقات هذه المصطلح كلمة "لمشوخ" باللغة العبرية والمراد بها الجذب والشد، بمعنى أن التقارب من مجال القدسية يتطلّب طرق ووسائل الجذب الروحاني والقِيَمي إلاّ أن الأديان في عالمنا وأقولها للأسف لا تُقدَّم على هذه الصفات والصورة ومن هنا علينا الإقرار بواقع هذا الصورة المتكرّر القائل إن الدين مصحوب بالكراهية والقتل. حسب اعتقادي إذا أردنا أن نجذب الحوار ونقوده باتجاه مختلف علينا فهم أسباب هذه الصورة لأن أصلها الحوار الذي تغيب عنه الثقة ويحكمه الخوف والعداء بحيث نعرّف مَن نكرهه بدلاً من تعريف مَن نحبه.
ترتدي الكراهية أقنعة كثيرة أبشعها وأخطرها الكراهية باسم الله سبحانه وتعالى لأن الكراهية تمحو الإنسانية وصورة الله عند الآخر وتدعو إلى الاضطهاد والموت. أمّا قمّة الجسارة فتجدها عند الإنسان القادر على تحويل حاقده إلى محبّ. وقد وردت الآية القرآنية ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.
إن الكراهية ليست بظاهرة محلية بل تعد مشكلة كونية عالمية حيث يبقى السؤال ما الذي يجب فعله لتحقيق شيء آخر؟ معروف أنّنا نقوم بتطعيم أولادنا في سن صغير لمكافحة داء إذا وجد ولكننا لا نقدّم لهم تطعيمات ضد الكراهية وعليه من الواضح أن يشتمل المصل على حزمة وقائية تشمل معرفة الآخر والتحدّث إليه والتحاور معه وإدخال هذه القيم التي استمعنا إليها هنا في جهاز التعليم.
نعيش اليوم في قرية كونية إلاّ أنّنا نبقى متباعدين عن بعضنا البعض أكثر من أي وقت مضى وحتى على المستوى الداخلي، على سبيل المثال إذ يفصل البُعد بين حاخامات "ساش" السفراديم (الشرقيين) وبين حاخامات تيار (الصهيونية الدينية) المشاركين في هذا البرنامج.
يعلّق سماحة الشيخ عبدالله نمر درويش وغيره من الشخصيات الإسلامية المرموقة في البلاد وخارجها أهميةً كبيرة على هذا البرنامج تتعدّى حدود اللغة والحوار التي يمكن باعتقادي تطويرها وترجمتها إلى لغة العمل الاجتماعي.
لقد شاركنا في مؤتمرات كثيرة وألقينا العديد من الخطابات إلاّ أنّها لم تلقَ الصدى ميدانيًا ولم تؤثّر على العموم.
بدأنا العملية قبل ثمانية أعوام في مدينة الاسكندرية المصرية برئاسة الحاخام الأكبر في حينه (بقشي دورون) وأحد كبار المفتيين في العالم الإسلامي سماحة الشيخ طنطاوي وسماحة الشيخ طلال سدر رحمه ال